فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} فيه مسائل:
المسألة الأولى:
الكاف في قوله: {وكذلك} يوجب التشبيه، وفيه قولان: الأول: وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها.
الثاني: أنه معطوف على ماقبله، أي كما زينا للكافرين أعمالهم، كذلك جعلنا.
المسألة الثانية:
الأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم، والآية على التقديم والتأخير تقديره: جعلنا مجرميها أكابر، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة، فإنه لا يتم المعنى، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل، لأنك إذا قلت: جعلت زيدًا، وسكت، لم يفد الكلام حتى تقول رئيسًا أو ذليلًا أو ما أشبه ذلك، لاقتضاء الجعل مفعولين، ولأنك إذا أضفت الأكابر، فقد أضفت الصفة إلى الموصوف، وذلك لا يجوز عند البصريين.
المسألة الثالثة:
صار تقدير الآية: جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر ليمكروا فيها، وذلك يقتضي أنه تعالى إنما جعلهم بهذه الصفة، لأنه أراد منهم أن يمكروا بالناس، فهذا أيضًا يدل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى.
أجاب الجبائي عنه: بأن حمل هذه اللام على لام العاقبة.
وذكر غيره أنه تعالى لما لم يمنعهم عن المكر صار شبيهًا بما إذا أراد ذلك، فجاء الكلام على سبيل التشبيه، وهذا السؤال مع جوابه قد تكرر مرارًا خارجة عن الحد والحصر.
المسألة الرابعة:
قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر، لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوة الجاه تحمل الإنسان على المبالغة في حفظهما، وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من الغدر والمكر، والكذب، والغيبة، والنميمة، والأيمان الكاذبة، ولو لم يكن للمال والجاه عيب سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه، لكفى ذلك دليلًا على خساسة المال والجاه.
ثم قال تعالى: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} والمراد منه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى، وهي قوله: {وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] وقد ذكرنا حقيقة ذلك في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ} [البقرة: 15] قالت المعتزلة: لا شك أن قوله: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} مذكور في معرض التهديد والزجر، فلو كان ما قبل هذه الآية يدل على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس، فكيف يليق بالرحيم الكريم الحكيم الحليم أن يريد منهم المكر، ويخلق فيهم المكر، ثم يهددهم عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه؟ واعلم أن معارضة هذا الكلام بالوجوه المشهورة قد ذكرناها مرارًا. اهـ.

.قال السمرقندي:

{وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا} يعني جعلنا مجرميها أكابرها وجبابرتها كما جعلنا في أهل مكة وهذا معطوف على ما قبله أي مثل ذلك جعلنا في كل قرية كما زين للكافرين {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} يعني: ليتكبروا فيها ويكذبوا رسلهم {وَمَا يَمْكُرُونَ} يعني: وما يصنعون ذلك {إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ} يعني: إلا على أنفسهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} أن ذلك على أنفسهم. اهـ.

.قال الثعلبي:

{وكذلك} أي وكما زيّنا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا.
وقيل: وكما جعلنا فسّاق مكة أكابرها كذلك {جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ} يعني عظماء، جمع أكبر مثل أفضل وأحمر وأحامر وأسود وأساود {مُجَرِمِيهَا} إن شئت نصبته على التقديم تقديره وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، كما تقول: جعلت زيدًا رئيسها وإن شئت خفضته على الإضافة {لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ} لأن وبال مكرهم وجزاءه راجع إليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} إنه كذلك. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها}
هذه الآية تتضمن إنذارًا بفساد حال الكفرة المتقدم ذكرهم، لأنه مقتضى حال من تقدمهم من نظرائهم، وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في المستهزئين.
قال القاضي أبو محمد: يعني أن التمثيل لهم، و{جعلنا} في هذه الآية بمعنى صيرنا، فهي تتعدى إلى مفعولين الأول {مجرميها} والثاني {أكابر} وفي الكلام على هذا تقديم وتأخير تقديره وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، وقدم الأهم إذ لعلة كبرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعول الأول {أكابر} و{مجرميها} مضاف والمفعول الثاني في قوله: {في كل قرية} و{ليمكروا} نصب بلام الصيرورة، والأكابر جمع أكبر كما الأفاضل جمع أفضل، ويقال أكابرة كما يقال أحمر وأحامرة، ومنهم قول الشاعر الأعشى: [الكامل]
إنَّ الأَحَامِرَة الثّلاثة أتْلَفَتْ ** مالي وكنتُ بهنَّ قِدْمًا مُولَعا

يريد الخمر واللحم والزعفران، والمكر التخيل بالباطل والخديعة ونحوهما، وقوله: {وما يمكرون إلا بأنفسهم} يريد لرجوع وبال ذلك عليهم، {وما يشعرون} أي ما يعلمون، وهي لفظة مأخوذة من الشعار وهو الشيء الذي يلي البدن، فكأن الذي لا يشعر نفي عنه أن يعلم علم حس، وفي ذلك مبالغة في صفة جهله، إذ البهائم تعلم علوم الحس وأما هذه الآية فإنما نفي فيها الشعور في نازلة مخصوصة. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {وكذلك جعلنا في كل قرية} أي: وكما زينا للكافرين عملهم، فكذلك جعلنا في كل قرية أكابرَ مجرميها.
وقيل معناه: وكما جعلنا فُسَّاق مكة أكابرها، فكذلك جعلنا فُسَّاق كل قرية أكابرها.
وإنما جعل الأكابر فُسَّاقَ كلِّ قرية، لأنهم أقرب إلى الكفر بما أعطوا من الرياسة والسعة.
وقال ابن قتيبة: تقدير الآية: وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر؛ و{أكابر} لا ينصرف، وهم العظماء.
قوله تعالى: {ليمكروا فيها} قال أبو عبيدة المكر والخديعة، والحيلة، والفجور، والغدر، والخلاف.
قال ابن عباس: ليقولوا فيها الكذب.
قال مجاهد: أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعةً، ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، يقولون: للناس: هذا شاعر، وكاهن.
قوله تعالى: {وما يمكرون إلا بأنفسهم} أي: ذلك المكر بهم يحيق. اهـ.

.قال النسفي:

{وكذلك} أي وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا الناس فيها {جَعَلْنَا} صيرنا {فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي.
واللام على ظاهرها عند أهل السنة وليست بلام العاقبة، وخص الأكابر وهم الرؤساء لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم، دليله {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض} [الشورى: 27] ثم سلى رسوله عليه السلام ووعد له النصرة بقوله: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ} لأن مكرهم يحيق بهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} أنه يحيق بهم {أكابر} مفعول أول والثاني {فِي كُلِّ قَرْيَةٍ} و{مُجْرِمِيهَا} بدل من {أكابر} أو الأول {مُجْرِمِيهَا} والثاني {أكابر} والتقدير: مجرميها أكابر. اهـ.

.قال الخازن:

وقوله تعالى: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} يعني وكما جعلنا في مكة أكابر، وعظماء جعلنا في كل قرية أكابر وعظماء، وقيل: هو معطوف على ما قبله.
ومعناه: كما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل قرية أكابر جمع الأكبر ولا يجوز أن يكون مضافًا لأنه لا يتم المعنى في بل الآية تقديم وتأخير تقديره: وكذلك جعلنا كل قرية أكابر {مجرميها} وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم أقدر على المكر والغدر وترويج الباطل بين الناس من غيرهم، وإنما حصل ذلك لأجل رياستهم وذلك سنة الله أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم وجعل فسَّاقهم أكابرهم {ليمكروا فيها} قال أبو عبيدة: المكر، الخديعة والحيلة والغدر والفجور.
زاد بعضهم والغيبة والنميمة والأيمان الكاذبة وترويج الباطل.
قال ابن عباس: معناه ليقولوا فيها الكذب.
وقال مجاهد: جلس على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويقولوا هو كذاب ساحر كاهن فكان هذا مكرهم {وما يمكرون إلا بأنفسهم} يعني ما يحيق هذا المكر إلا بهم لأن وبال مكرهم يعود عليهم {وما يشعرون} يعني أن وبال ذلك المكر يعود عليهم ويضرهم. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا}
المعنى: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل قرية.
{مُجَرِمِيهَا} مفعول أوّل لجعل {أَكَابِرَ} مفعول ثاني على التقديم والتأخير.
وجعل بمعنى صير.
والأكابر جمع الأكبر.
قال مجاهد: يريد العظماء.
وقيل: الرؤساء والعظماء.
وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد.
والمكر الحيلة في مخالفة الاستقامة، وأصله الفتل؛ فالماكر يَفْتِل عن الاستقامة أي يصرف عنها.
قال مجاهد: كانوا يجلسون على كل عَقَبَةٍ أربعةً ينفروّن الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما فعل من قبلهم من الأمم السالفة بأنبيائهم.
{وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ} أي وبَالُ.
مكرهم راجعٌ إليهم.
وهو من الله عز وجل الجزاء على مكر الماكرين بالعذاب الأليم.
{وَمَا يَشْعُرُونَ} في الحال؛ لفرط جهلهم أن وبال مكرهم عائد إليهم. اهـ.

.قال أبو حيان:

{وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} أي كما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية، وتضمن ذلك فساد حال الكفرة المعاصرين للرسول إذ حالهم حال من تقدمهم من نظرائهم الكفار.
وقال عكرمة: نزلت في المستهزئين يعني أن التمثيل لهم وقيل: هو معطوف على {كذلك زين} فتكون الإشارة فيه إلى ما أشير إليه بقوله: {كذلك زين} و{جعلنا} بمعنى صيرنا ومفعولها الأول {أكابر مجرميها} {وفي كل قرية} المفعول الثاني و{أكابر} على هذا مضاف إلى {مجرميها}، وأجاز أبو البقاء أن يكون {مجرميها} بدلًا من {أكابر} وأجاز ابن عطية أن يكون {مجرميها} المفعول الأول و{أكابر} المفعول الثاني والتقدير مجرميها أكابر، وما أجازه خطأ وذهول عن قاعدة نحوية وهو أن أفعل التفضيل إذا كان بمن ملفوظًا بها أو مقدرة أو مضافة إلى نكرة كان مفردًا مذكرًا دائمًا سواء كان لمذكر أو مؤنث، مفرد أو مثنى أو مجموع، فإذا أنث أو ثنى أو جمع طابق ما هو له في ذلك ولزمه أحد أمرين: إما الألف واللام أو الإضافة إلى معرفة، وإذا تقرر هذا فالقول بأن {مجرميها} بدل من {أكابر} أو أن {مجرميها} مفعول أول خطأ لالتزامه أن يبقى {أكابر} مجموعًا وليس فيه ألف ولام ولا هو مضاف إلى معرفة وذلك لا يجوز، وقد تنبه الكرماني لهذه القاعدة فقال: أضاف الأكابر إلى مجرميها لأن أفعل لا يجمع إلا مع الألف واللام أو مع الإضافة؛ انتهى.
وكان ينبغي أن يقيد فيقول: أو مع الإضافة إلى معرفة وقدر بعضهم المفعول الثاني محذوفًا أي فساقًا {ليمكروا فيها} وهو ضعيف جدًا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه، وقال ابن عطية: ويقال أكابرة كما قالوا أحمر وأحامرة ومنه قول الشاعر:
إن الأحامرة الثلاثة أهلكت ** مالي وكنت بهنّ قدمًا مولعا

انتهى، ولا أعلم أحدًا أجاز في الأفاضل أن يقال الأفاضلة بل الذي ذكره النحويون أن أفعل التفضيل يجمع للمذكر على الأفضلين أو الأفاضل، وخص الأكابر لأنهم أقدر على الفساد والتحيل والمكر لرئاستهم وسعة أرزاقهم واستتباعهم الضعفاء والمحاويج.
قال البغوي: سنة الله أنه جعل أتباع الرسل الضعفاء كما قال: {واتبعك الأرذلون} وجعل فساقهم أكابرهم، وكان قد جلس على طريق مكة أربعة ليصرفوا الناس عن الإيمان بالرسول يقولون لكل من يقدم إياك وهذا الرجل فإنه ساحر كاهن كذاب وهذه الآية تسلية للرسول إذ حاله في أن كان رؤساء قومه يعادونه كما كان في كل قرية من يعاند الأنبياء، وقرأ ابن مسلم أكبر مجرميها وأفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة وكان لمثنى أو مجموع أو مؤنث جاز أن يطابق وجاز أن يفرد كقوله: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} وتحرير هذا وتفصيله وخلافه مذكور في علم النحو، ولام {ليمكروا} لام كي.
وقيل: لام العاقبة والصيرورة.
{وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون} أي وباله يحيق بهم كما قال ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله {وما يشعرون} يحيق ذلك بهم ولا يعني شعورهم على الإطلاق وهو مبالغة في نفي العلم إذ نفى عنهم الشعور الذي يكون للبهائم. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وكذلك} قيل: معناه كما جعلنا في مكةَ أكابرَ مجرميها ليمكروا فيها {جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ} من سائر القرى {أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} ومفعولا جعلنا أكابرَ مجرميها على تقديم المفعولِ الثاني والظرفُ لغو أو هما الظرفُ وأكابرَ على أن مجرميها بدلٌ أو مضافٌ إليه فإن أفعل التفضيل إذا أُضيف جاز الإفرادُ والمطابقةُ ولذلك قرئ أكبرَ مجرميها وقيل: أكابرَ مجرميها مفعولُه الأولُ والثاني ليمكروا فيها، ولا يخفى أن أيَّ معنى يراد من هذه المعاني لابد أن يكون مشهورَ التحققِ عند الناسِ معهودًا فيما بينهم حتى يصلُحَ أن تُصرَفَ الإشارةُ عن سباق النظمِ الكريمِ وتوجَّهَ إليه ويُجعلَ مقياسًا لنظائره بإخراجه مُخرجَ المصدرِ التشبيهيِّ وظاهرٌ أنْ ليس الأمرُ كذلك ولا سبيلَ إلى توجيهها إلى ما يفهم من قوله تعالى: {كَذَلِكَ زُيّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وإن كان المرادُ بهم أكابرَ مكةَ لأن مآلَ المعنى حينئذ بعد اللتيا والتي كما جعلنا أعمالَ أهلِ مكةَ مزينةً لهم جعلنا في كل قرية أكابرَ مجرميها الخ، فإذن الأقربُ أن ذلك إشارةٌ إلى الكفَرة المعهودين باعتبار اتصافِهم بصفاتهم، والإفرادُ بتأويل الفريقِ أو المذكور، ومحلُّ الكافِ النصبُ على أن المفعولُ الثاني لجعلنا قدم عليه لإفادة التخصيصِ كما في قوله تعالى: {كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ} الآية، والأولُ أكابرَ مجرميها، والظرف لغة أي ومثلَ أولئك الكفرةِ الذين هم صناديدُ مكةَ ومجرموها جعلنا في كل قريةٍ أكابرَها المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات المذكورين مزيَّنًا لهم أعمالُهم مُصِرّين على الباطل مجادلين به الحقَّ ليمكروا فيها أي ليفعلوا المكرَ فيها، وهذا تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ} اعتراضٌ على سبيل الوعدِ لرسول الله عليه الصلاة والسلام والوعيدِ للكفرة أي وما تحيقُ غائلةُ مكرِهم إلا بهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} حال من ضمير يمكرون مع اعتبار ورودِ الاستئناءِ على النفي أي إنما يمكرون بأنفسهم والحالُ أنهم ما يشعُرون بذلك أصلًا بل يزعُمون أنهم يمكرون بغيرهم. اهـ.